الأحد، 5 نوفمبر 2017

من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟






الفساد المالي واستغلال المال العام من أجل المنفعة الخاصة أشد أنواع الفساد تدميرا للمجتمعات ، هذا النوع من الفساد ليس له عنوان أو عمر أو منصب ، إنه بلاء ووبال يصيب المجتمعات في كل أصقاع الدنيا ، يزيد بضعف التشريعات والرقابة ، وينقص بقوة المجتمع المدني ، وحرية التعبير ، وقوة الرقابة ، واستقلال القضاء من أين لك هذا ؟ سؤال حاضر في ذهن المجتمع حول كل متغول في المال الحرام ، ولم تردعه الخشية من الله ، أو من الناس حين يباهي بثروته وعقاراته ، وهو من كان إلى وقت قريب من أولي الدخل المحدود ، كيف هبطت هذه الثروة على هذا الرجل وحده ، مع أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ، لكن حين تدقق النظر في أسباب تلك الثروة المفاجئة ؛ تجد كسبا غير مشروع كان يهطل بأكثر من ذلك .

في المجتمعات الذي تضعف فيها الرقابة ، ويظهر مثل هؤلاء اللصوص ، يبقى دور الإعلام النزيه البحث عن الحقيقة وتعرية الفساد و الفاسدين ، ونشر قضايا الفساد والتشهير بها ، بدلا من تلميعهم وتصويرهم ، وهم يمثلون على المجتمع بسماجة وسذاجة دور العصاميين ، فيما المجتمع يعرف حقيقة أمرهم ، إنهم ثلة من الفاسدين ولصوص المال العام ، وشرذمة قليلة من المحتالين على مجتمعاتهم ، وولاة أمرهم الذين أولوهم الثقة ، فتلاعبوا بحقوق الناس .

إن مما يزيد الأسف أن يشترك بعضٌ ممن يُظن فيهم الصلاح وحسن السيرة - ربما بحسن النية وجهلاً بأحوال أولئك - أن يشترك مع أولئك اللصوص ، ويضعوا أيديهم في أيديهم ، فيصيبهم شئ مما أصاب القوم من سوء السمعة ، وقذارة السيرة ، و سوء المسلك .

تماما كحامل المسك ونافخ الكير ، ولكن الكير هنا جريمة تهدد أمن المجتمع برمته ، والصاحب ساحب ، لكن السحب هنا غير السحب هناك ، فالسحب هنا إلى بيع الدين بعرض من الدنيا ، وخيانة الوطن ، وخيانة الثقة وخيانة المجتمع .، وهي خيانات ، وظلمات بعضها فوق بعض ، بدايتها موت الضمير و نهايتها سوء المصير .

إن مجتمعنا والحمد لله ينعم بخير كثير ، وأمن واستقرار كبير ، إلا أنه كباقي المجتمعات لابد أن يظهر فيه شئ من تلك الصور القبيحة للفساد ؛ لذلك نذكر كل من يؤمن بالله واليوم الآخر ، ممن أبتلي بهذا البلاء، أنك مهما استطعت التحايل على الناس فلا تنسى أنك تحت عين رب الناس ، إنه معنا يسمع ويرى - سبحانه -. إن الحياة قصيرة ، ومهما بلغ الإنسان من العمر سيلقى ربه يوما ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) فحينها يقف المسلم أمام ربه حائرا ، في ذلك الموقف العظيم ، أمام السؤال الكبير حول حقوق الناس و تلك الثروة ، وهذا المال من أين أكتسبه ؟ وفيم أنفقه ؟ .


نشر في صحيفة المجاردة في 8/2/2013

هل الوجه عورة ؟



منذ أكثر من عشر سنين مضت ، ثار موضوع النقاب . وهل هو واجب أو سنة ، وأثار فضولي في ذلك الوقت المختلفون حول المسألة كما يحدث اليوم ، فقررت البحث بنفسي عن المسألة في المراجع الشرعية من كتب الفقه والتفسير وشروح الحديث ، وقرأت كثيرا في المسألة من الجانبين ، وقرأت كتب العلماء كالشيخ المحدث الألباني وعبدالحليم محمد أبو شقة وعبدالكريم زيدان فضلا عن الاتصال بالعديد من طلبة العلم والعلماء في وطننا العربي الكبير وتكونت قناعة شخصية على أساس مرجعية شرعية أن وجه المرأة ليس بعورة . وهذه القناعة ليست فتوى ولا أعدها كذلك .

قد يعترض معترض ويقول تخصصك ليس في العلم الشرعي ، أعترف بذلك لكن كل ما قرأته وسمعته كان من علماء شرعيين ، وهذا لا يمنع من احترام الرأي المخالف وتقدير عرف المجتمع . 

اليوم عادت المسألة إلى الواجهة الإعلامية مرة أخرى ، وتصدى الشيخ الدكتور أحمد الغامدي- مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة مكة المكرمة سابقا - بنشر أبحاثه الشرعية على الناس ، ولاشك أنه مقتنع تماما بما يرى وبما ينشر بحكم ما يملك من أدوات البحث الشرعي ، والمتأمل بعين الروية يرى أن الشيخ الغامدي لم يخرج من دائرة الشريعة ، وأن الخلاف في هذه المسألة قديم ومبثوث في كتب العلم وليس جديدا ، ربما صراحته وجرأته استفزت المخالفين ، لكن هذا لا يعني مروق الرجل من الدين وخروجه من الملة . وإعطاء المبرر للتهجم على الرجل . 

في تاريخنا الإسلامي كثير من قصص العلماء الذين اضطهدوا من أجل أفكارهم وآرائهم فالإمام مالك جُلد من أجل رأي ، والأمام أحمد بن حنبل سجن وعذب من أجل رأي ، والأمام ابن تيمية كذلك سجن من أجل رأي. "رحمهم الله جميعا" . 

ورأي الشيخ الغامدي كما يقول العلماء: هو خلاف معتبر ، فلماذا التجريح والسب والشتم والتهجم بشكل لا يليق بمسلم ؟ قالوا قديما : " لا إنكار في مسائل الخلاف " ، وقالوا أيضا : "خلاف الرأي لا يفسد للود قضية " فلماذا يفسد الود مع باحث شرعي قال برأيه واجتهد ؟! .فإن اصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر وحسابه على الله ، ويتولى العلماء الرد عليه مع الاحتفاظ بحق الأخوة الإسلامية .

نشر في صحيفة المجاردة في 19/12/2014

لاتحزني



هلت دموع الرحماء وتساقطت من الأعماق ؛ لما أصاب طفلة جيزان "رهام الحكمي ". طفلة في عمر الزهور تُغدر بدماء مسمومة و بوقاحة لامسؤولة ، ولك أن تنظر لمثل عمرها وقد حُقنت بالموت بلا ثمن ، لك أن تنظر إلى تلك الدموع وذاك الحزن وصوت الأنين بوقع الألم في عيون مثلها حين تذهب حياتها هدرا .

لاتحزني يابنيتي . فإن من اغتال طفولتك يعيش ويستمتع وينتشي بموت الضمير ، وأزمة الأخلاق الخانقة ، وهو الذي لم يشعر يوما بالمحاسبة ؛ ليصول ويجول كوحش كاسر بلا مدافعة أو مراقبة ، أو معاتبة ، ليكون له كل يوم فاجعة ، ومصيبة ليس لها راجعه .

لاتحزني يابنيتي . فهذا الفساد المستشري - من سوء الإدارة ، وقلة الكفاءة ،واليد المغلولة إلى الأعناق لمناطق بعينها ، والبذخ على مناطق أخرى - حطم الإنسان ، وقتله بدم بارد ، كمسخ مشوه عبث بحياته الفاسدون والمحتالون والرأسماليون والراقصون على جراح البائسين ورموا به كعجز نخلة خاوية .

لاتحزني يابنيتي . فلست أول ضحية ، وربما لن تكون الآخرة ، فكم دمر من آمال وسرق من أعوام وقتل من طموح وكم نحر الإهمال من أبناء المجتمع ، وكم عاث الجشع والفساد والتفاوت الطبقي المقيت ، في الأرض الخراب لاتحزني يابنيتي . لأن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وأن مع العسر يسرا ، وأن الله مع الصابرين ، كل ذلك إيمانا ويقينا ً بقضاء الله وقدره ، وأنت مؤمنة ، وكلنا مؤمنون بأن "من يعمل مثقال ذرة شرا يره " ، وأن دعوة المظلوم مهما تغافلها الظالم لا يغفل الله عنها، وهو القائل عز وجل : ( وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ) لاتحزني يابنيتي . فأنتِ في قلوب الرحماء ، وقد تعاطفت معك الناس كبارهم ، والدهماء ، وقد جابت قصتك أصقاع الأرض ، وعلمت بك كل المنظمات والهيئات الدولية والعالمية ، وأنتِ في قلوب القادة من هذا البلد ، ولا شك أنهم لك ناصرون ، وتأكدي أن الكل يقف معك ، القادة والشعب ، وشرفاء العالم ، والقلوب العظيمة ، والأيادي الرحيمة ، ومن قبل ذلك ومن بعده ثقي بأن الله معك فهو " يسمع ويرى " .


نشر في صحيفة المجاردة في 20/2/2013

اليوم العالمي للمعلم


مهنة التربية والتعليم من أجل المهن وأشرفها ، وحمل رسالة التربية والتعليم تحتاج إلى قدوات لها من العظمة والكرامة والنبل ما يسعها لحمل هذه الرسالة ؛ ولهذا قام بها أشرف الناس وأطهرهم من الأنبياء والمرسلين والمصلحين ، فكانوا القدوات والنجوم التي يستضاء بها في عتمة الأهواء ، ومفارق دروب الحياة .

وحين نُذكر القدوات نستلهم سيرة نبينا وسيدنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم شخصية عرفها التاريخ، وأعظم قدوة على تعاقب الأزمان ، ولاغرو في ذلك فقد تحمل في سبيل الرسالة والتربية والتعليم أهوالا من المصاعب والمشاق ستظل نبراسا لكل من سار على هذا الطريق .

هذا الطريق المحفوف بالمخاطر وأشواك الآلام فمن التكذيب والتشكيك إلى الترهيب و الترغيب إلى البهت والاتهام إلى الحصار والتجويع إلى التهجير ثم إلى المعارك التي خاضها في سبيل نشر الرسالة وتربية الناس وتعليمهم وإرساء قواعد العدل والحق والنور.

كل هذه المصاعب لم تثن عزيمته صلى الله عليه وسلم ، ولم تفت في عضده بل زادته إصرار وتصميما حين أجاب بقوله : صلى الله وسلم ( والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته ) كل هذه التضحيات الكبرى ؛من أجل إخراج الناس من الظلمات إلى النور وحمل مشعل النور والإشراق لإضاءة الدروب المعتمة -_ وهذا الدور هو بعينه الدورالحقيقي للمعلم _ .

هذا الصبر الجميل العظيم الرفيق وهذه العزيمة الفذة هي مما نستلهمه من سيرة سيدنا وقدوتنا ومعلمنا محمد صلى الله عليه وسلم ونستلهم من سيرته العطرة الصدق والأمانة والرفق وهي صفات كل مرب ومعلم ومصلح أعد نفسه لهذه الرسالة وأخذ على عاتقه حمل هذه الأمانة لتصل دعوته وتبلغ رسالته ويكون أثره في الناس كبيرا ، لايقف في طريقه فقر مدقع ، ولا غنى مطغ ، ولاتتبع لشهوات أو ترف مهلك ومفسد .

في اليوم العالمي للمعلم يستلهم المعلمون تلك الصفات العطرة التي يرتكز عليها المربون وحملة الرسالة وكل من حمل هم تربية الناس وتعليمهم وتوجيههم وإرشادهم . ومن سار على هذا الدرب من المصلحين حتى يتحقق لهم وعد الله سبحانه .حيث يقول في سورة النور " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا "

نشر في صحيفة المجاردة في 9/10/2012

نحو غدٍ أفضل




يتفاوت الاهتمام بالبنية التحتية والمرافق العامة في المحافظات الصغيرة من محافظة إلى أخرى ، لكن في المجمل تعاني بعض المحافظات المتوسطة والصغيرة من نقص في خدمات البنية التحتية وقصور في خدمات المرافق العامة .

لو أخذنا مرفق الكهرباء في محافظة المجاردة والمراكز التابعة لها كمثال - وهو من أهم المرافق التي يجب العناية بها - لوجدنا معاناة حقيقة من أداء شركة الكهرباء ، فالانقطاع المتكرر ، وسوء الخدمة هو أكثر ما يميز خدماتها ، ومعاناة المجاردة والمراكز التابعة لها من شركة الكهرباء ممضة ومؤلمة ، وقديمة قدم الشركة، وقدم امتيازها المضني والبائس .

كثير من السكان يتحدث عن انقطاع متكرر، عدهُ أحدهم فبلغ أكثر من خمسة عشر مرة في يوم واحد ، ويتحدث آخرون بأنهم يمضون الساعات الطوال دون كهرباء ، وقد نشرت صحيفة المجاردة معاناة الطلاب وهم يستعدون للاختبارات النهائية تحت أضواء الشموع ، وهي معاناة ليست عابرة أو عارضة ، و ليست هينة ؛ فقد مضت السنون والناس على هذا الحال المؤلم ، وهذا الضيم المقلق المؤرق من شركة كهرباء . 

هذه الخدمة المتردية لشركة الكهرباء في مثال لإحدى المحافظات الصغيرة ؛ لها آثارها السلبية على كل شئ تقريبا فالمستشفيات تعاني من قصور هذه الخدمة ، والمدارس وشبكة الانترنت ، والأسواق التي تسجل خسائر في سوق المواد الغذائية القائمة على التبريد بمئات الألوف ، وهو ما يؤثر سلبا على الاستثمار بشكل عام في هذه المحافظات الصغيرة ؛ لتصبح طاردة لرؤوس الأموال والسكان .

ناهيك عن الناس الذين يلفحهم هجير الصيف بدرجة حرارة تفوق 47 درجة في أغلب أوقات الصيف ، وفيهم الأرملة واليتيم ، والمريض المستند على أجهزة مساندة ، والفقير المحتاج ، فبأي ذنب يحرم هؤلاء نعمة الكهرباء الحاضرة اسماً القاصرة خدمة ؟!

المحافظات الصغيرة بحاجة ماسة إلى بنى تحتية مختلفة : من شركات كهرباء و شبكات لمياه الشرب تشمل كل المراكز التابعة لها ، وشبكات الصرف الصحي - ولايخفى على أحد تلك المشكلة التي ظهرت في إحدى المحافظات التي اختلط فيها مياه بعض الآبار بمياه الصرف الصحي لانعدام شبكة الصرف - وايضا شبكات تصريف مياه السيول وتمديدات شبكات الغاز ، ومحطات لتنقية مياه الصرف ، ومعامل تدوير النفايات .

إن المحافظات المتوسطة والصغيرة في وطننا الكبير بحاجة إلى هذه البنى التحتية ، والمرافق العامة بشكل عاجل وسريع قبل أن تتحول إلى محافظات كبرى قاصرة البنى التحتيه ؛ فتنشأ كوارث بيئية تستعصي على الحل ، ولأن إسراعنا في بناء المرافق والبنى التحتية بأعلى معايير الجودة العالمية ، سوف ينهض بهذا الوطن ، ويسير به نحو التقدم والرفاه ، وهي رؤية خادم الحرمين الشريفين لبناء وطن وغدٍ أفضل .

نشر في 7/12/2013

رسالة من العيد




العيد رسالة سلام إنسانية تحمل في طياتها دعوة فرح وأمل ، وخروج من نظرة الاستياء والحزن على مواضع الألم والمآسي ؛ لأن هذا التركيز المؤلم ينشر سحائب الكآبة و يصنع اليأس ، ويحطم الهمم ، ويثبط العزائم .

إن رسالة العيد تأتي في وقت يحتاج فيه الإنسان تجديد النظرة للحياة ، تلك النظرة التي تحمل روح التفاؤل والبشر والأمل ، وصرف النظر إلى الجانب الجميل والمشرق في الكون والإنسان والحياة .

إن رسالة العيد تحثنا على الإحسان والتواضع ، و مواساة المنكسرين ، والوقوف إلى جانبهم ، ومد يد العون لهم وزرع الأمل على شفاه اليتامى، والأرامل ، والمرضى ، والمحتاجين لينعموا بحياة أجمل ، وهي رسالة للعطاء والرحمة والسخاء ، ورسم الإبتسامة في قلوب الفقراء ، وبذل المعروف في أعمال دائمة وخيرة ونافعة للمجتمع .

إن رسالة العيد رسالة محبة وسلام تحمل دعوة للتسامح والعفو ، وعودة طائر المحبة والصفح إلى أكناف الود والصفاء ، والبعد عن التباغض والتدابر والتحاسد ، إنها دعوة للنقاء والطهر ، ودعوة إلى الأخلاق الفاضلة النبيلة ، إلى الجمال والكمال الإنساني ؛ ليعود الاطمئنان والبشر إلى النفس المطمئنة المستبشرة ، بعد هيامها في مسارب القلق ، إن رسالة العيد تحمل كل معاني السلام والتسامح والفرح والإحسان لكل إنسان في هذا العالم . 


كل عام وأنتم بخير


نشر في صحيفة المجاردة في 8/8/2013

الملكيون






أن تمضي حياتك لتصنع فارقا حسناً في حياة آخرين فتلك نعمةٌ وسعادة ٌوسمو عظيم . تبدأ الأحلام بفكرة تشق عباب الحياة وتنمو بجهد صادق وتسقى بمزن الرعاية حتى يورق الأمل . هكذا أثمرت الأحلام العظيمة. نمت في أذهان العظماء ، وتحولت بإرادة الله إلى واقع ملموس بقوة الإرادة والعزم والتصميم والصبر والتضحيات ؛ لتغدق حياة الأمم .

"الفرسان الملكيون" قصة واقعية للتحفيز مستوحاه من كتاب " شوربة الدجاج للروح" لمؤلفيه جاك كانفيلد ومارك فيكتور هانس ، وقعت هذه القصة في أحد الأحياء الفقيرة والمهمشة في حي منهاتن في نيويورك ، المعروف ب..هارلم حيث الفقر المدقع والتشرد ، وسط غابة الثراء والمال في مانهاتن ، وهو حي يوصف بأنه أشد فقرا من أحياء مدن في العالم الثالث ، حيث يعيش طلاب مدارسه حياة التسكع والتشرد والضياع .

في ظل هذا التيه التربوي لطلاب الحي يحضر للمدرسة معلم لغة إنجليزية هو الأستاذ " بيل هال " ويُصدم لما يرى من مأساة الطلاب وحجم الضياع وغياب الأهداف ، وغياب القدرة على تحقيق الذات . طلاب ماتت آمالهم فازدادت حياتهم ألما وتشردا وضياعا وتسكعا .

بحث الأستاذ " بيل هال " عن اهتمام مشترك يصنع منه هدفا عاما يلتف حوله طلاب المدرسة ،وأثناء بحثه في الحي لاحظ فقيرا يحمل لوحة شطرنج ، هذه اللوحة قدحت فكرة لعبة الشطرنج في ذهن المعلم " بيل" المتميز في هذه اللعبة وبدأ يفكر في جعل هذه اللعبة هدفا يجمع الطلاب حوله .

وافق مدير المدرسة على افتتاح ناد للشطرنج على مضض لممارسة هذه اللعبة خارج أوقات اليوم الدراسي ، وكان أول ناد في الحي يفتتح لممارسة اللعبة ، غير أنه جوبه برفض الآباء تسجيل أبنائهم في هذا النادي .

لم يستجب له سوى 12 طالباً وكان مرد الرفض أن هذه اللعبة لا تحقق الشهرة ولا الثراء، وليس لها مستقبل في البلاد . ليصبح الطلاب المنتمون لهذا النادي مثار سخرية الآخرين . فلا فائدة ترجى من مثل هذه الألعاب !

واظب الاثنا عشر طالبا على الحضور ، وتولى المعلم أمر رعايتهم رعاية أبوية حتى أنه يقدم لهم وجبات الطعام على حسابه ، وتقدمت مهارات الطلاب في اللعبة ، وأخذوا بممارسة اللعبة في مباريات خارج الحي ، ومازال المعلم يتولى تدريبهم والإنفاق عليهم حتى أجرة التنقلات .

أخذهم الأستاذ " بيل هال " إلى نادي مانهاتن للشطرنج ، ثم اصطحبهم إلى نهائيات الولاية ، وبدأ الطلاب الذين كانوا يعيشون حياة التيه والضياع والتسكع يشعرون بوجود هدف في حياتهم جعلهم يلتفون حوله لتحقيق ذواتهم ، واختاروا لفريقهم مسمى ( الفرسان الملكيون ) وحقق الفرسان الملكيون المركز الثالث على مستوى الولاية ، وأصبحو جاهزين لنهائيات كاليفورنيا .

لقد أصبح النجاح حليف " الملكيون " وهم في طريق النجاح لم يصغ الفريق إلى همسات المثبطين بأنهم وصلوا إلى أقصى مايمكن الوصول إليه . كان هناك فعلا عقبات ليست سهلة في طريق الصعود ، وأهمها تواضع الإمكانات المادية واستطاع الأستاذ " بيل هال " جمع المبلغ والسفر بالفريق إلى كاليفورنيا للمشاركة في المسابقة القومية ، واستطاع الفريق التفوق على 17 فريق منافس ، وعاد الفريق إلى نيويورك متوجا بشهرة وجمهور وإعلام وكاميرات تتبع إنجازاته .

في إحدى اللقاءات في نادي نيويورك للشطرنج التقى أعضاء الفريق بأحد اللاعبين من الإتحاد الروسي كان قد حقق بطولة العالم في اللعبة ، وفي هذا اللقاء أضاءت فكرة مشاركة الفريق في المسابقات الدولية العالمية للشطرنج في روسيا عاصمة الشطرنج في العالم .

حاول الأستاذ " بيل " أخذ دعم المسؤولين في المقاطعة لكنهم رفضوا الفكرة بحجة أن هذا الفريق الناشئ لن يسطع تحقيق نتائج مع عباقرة الشطرنج العالميين ، لم ييأس الأستاذ " بيل" وبحث عن داعم للفريق وتبرعت شركت بيبسي كولا بمبلغ 20000 الف دولار وساهمت بعض المؤسسات ببعض الدعم المالي بينما تخلت المؤسسات الرسمية عن دعم الفريق .

كانت الخطوة الأولى في صعود الطائرة صوب روسيا هي الخطوة الأولى نحو تحقيق الهدف العالمي لفريق " الملكيون " ، وصل الفريق إلى موسكو وبدأ اللقاء بالفرق الروسية وبدى الأمر مخيفا في بداياته ؛ فهم أساتذة اللعبة في العالم ، وتأرجحت نتائج اللقاءات بين التعادلات والفوز في إحدى المباريات ، وعُد هذا إنجازا بكل المقاييس لفريق بدأ من الصفر من أحد الأحياء البائسة والمهمشة إلى فريق تتناول أخباره وكالات الأنباء العالمية .

عاد الفريق إلى مدرسته في منطقته المسكونة بالألم والفقر والتهميش ، لتنهال عليه العروض والعقود والإعلام والشهرة العالمية . وتوافد الطلاب من الأحياء المجاورة بكثافة يطلبون الانضمام للنادي الذي لم يستطع الموافقة على كل طلبات العضوية . ليبرز السؤال من صنع هذا الفارق العظيم في حياة أولئك البسطاء ؟ هل هي الكتب الدراسية ؟ بالطبع لا .

إنه الملهم الذي تناسى ذاته ، ليصنع فارقا في حياة البسطاء ، لقد استطاع المعلم بوضوح الهدف ،وقوة التركيز، وكبح طغيان أنانية الذات ، وقوة الإرادة والعزيمة ، والصبر، والأمل واستغلال القدرات ، أن يحقق انجازا ليس له فحسب بل لكل من حوله ، وأن يثبت أن هؤلاء الفقراء و المهمشين يمكن أن يصبحوا شيئا ،و بإمكانهم تحقيق إنجازات في كل المجالات، والتاريخ يسجل بمداد الذهب أسماء وأمجاد أولئك الذين تناسوا ذواتهم ، وعاشوا من أجل آخرين يخرجونهم من هوة السحق و ركام البؤس ، وظلام المجهول .

في إحدى اللقاءات التلفزيونية سُئل بعض أعضاء الفريق ماذا كانوا يفعلون قبل ظهور الأستاذ " بيل هال " في حياتهم ؟ فأجاب أحدهم : كنا نتسكع في الشوارع ونشعر بأنا لاشئ ، وأجاب آخر كنا نلتقط النقود بأي طريقة لتعاطي العقاقير المخدرة بين الحين والآخر ، وأجاب آخر والدموع تترقرق في عينيه " لقد استطاع الأستاذ " بيل هال " أن يقنع العالم بأننا لسنا حثالة وبإمكاننا أن نكون شيئا مذكورا " .

نشر في صحيفة المجاردة في 11/5/2013

الحاجة للتفهم

  للضغوط النفسية العصبية   الشديدةأثر  بالغ في تهديد صحة الإنسان الجسدية والنفسية  بما فيها ضغط العلاقات الأسرية وضغوط علاقات العمل  المتوتر...