السبت، 28 ديسمبر 2019

موقف ..سيادة الرئيس ..



في عام 1980م وأثناء احتدام الحرب الأهلية في تشاد، غادرت كثير من العائلات بلادها إلى البلدان المجاورة ، ومن ضمن الذين استأجروا بجيرانهم عائلة دخلت السودان وهي لا تملك من حطام الدنيا شيئا ، وفي الوقت ذاته كانت السودان أيضا تعيش أزمة اقتصادية وتمر بسنين عجاف ، لكن أسرة سودانية أجارت أسرة تشادية مستجيرة من تلك الحروب الدامية وتكفلت لها بالمسكن والمعاش مع مكابدتها شظف العيش ، وقلة ذات اليد ، انتهت الحرب وعادت العائلة التشادية إلى بلادها ، كان موسى ابن هذه العائلة يتدرج في المناصب حتى بلغ منصب وزير الخارجية ، ثم رئيسا للوزراء ثم عين رئيسا لمفوضية الاتحاد الافريقي .
موسى فكي محمد رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي ابن العائلة التشادية التي لجئت اضطرارا للسودان . هذا الرئيس يتحدث في احتفال السودان بتوقيع وثائق الفترة الانتقالية أمام الرؤساء والوفود المشاركة من كل أنحاء العالم بهذه القصة وملخص ما قاله : أن في عنقي جميل وحب للسودان وأهله ، وفاءً لتلك الأسرة التي استضافتني وأنا في أشد الحاجة ، هذا الموقف جعلني أقف مع السودان في كل المحافل الدولية .
ومما يروى أيضا أن " ديفيد لويد جورج " الذي ولد في مانشستر 1869م وما لبث أن توفي والده بعد مضي عام على ولادته ، كانت والدته امرأة معدمة فأخذته إلى أحد ضواحي لندن الفقيرة ، واستأجرت غرفة واحدة بجانب عمه لمساعدتهم ،و ذات ليلة مطيرة وشتاء قارص ، مرض طفلها الرضيع وتدهورت حالته وأشرف على الهلاك .
خرجت الأم في ظلام دامس وشتاء مطير وضباب كثيف يلف الأجواء ، تبحث عن طبيب ينقذ ذلك الرضيع ، بالكاد وجدت من يدلها على منزل طبيب في ذلك الوقت المتأخر ، طرقت الباب على الطبيب فخرج ليجد أما مكلومة تستنجد به وتتوسل إليه أن يرى طفلها الموشك على الهلاك ، أمام إصرار دموعها ومنظر البؤس في عينيها خرج مكرها في تلك الأجواء الصعبة .
وجال في دروب البؤساء حتى عثر على الطفل في تلك الغرفة المتهالكة ، وبينما يجري الكشف عليه أخذت تجمع شيئا من بقايا نقود فتمد بها إليه مطرقة في حياء ، وبعد أن كتب لها الدواء رفض أخذ تلك النقود ومد يده بشيء من العطاء ثمنا للدواء . وشاء الله سبحانه أن يكون لهذا الطفل شأن عظيم ، عمل في المحاماة ثم ترأس حزب الأحرار ثم رئيسا لمجلس التجارة ثم وزيرا للمالية كانت سياسته تعتمد حماية الفقراء ونصر الضعفاء والمعوزين ، وما لبث أن أصبح رئيسا للوزراء في 1916م
في إحدى احتفالات نقابة الأطباء التي كان يرأسها ذلك الطبيب الإنسان دعت النقابة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج وحين ألقى رئيس الوزراء كلمته أمام الجموع الغفيرة، ذكر هذه القصة وقام إلى ذلك الطبيب وقبل يده أمام الحضور ، وقال له : لقد كانت أمي قبل وفاتها تحثني دائما على مكافئتك وأن أرد لك الجميل .
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس

نشر في صحيفة الوطن نيوز في 28/12/2019


http://www.watannews-sa.com/articles/14521/#.XgeePwIjlYl.twitter

الأربعاء، 25 ديسمبر 2019

كسوف ..قصة بعيدة







التفتت الشمس كعادتها كل صباح


إلى هذا العالم

 

المستغرق في أمواج  الألم ...



 في هذه المرة نظرت في خرائط الألم 



وهي تبحث عن شجرة تسمى شجرة الإنسانية .... 



عادت  لمستقرها،وفي السحر


تسابقت مع الظلام 


 تجري لتهدي ضياءها  


 ذات الشجرة التي سمعت  عنها ...



   تود أن تراها .. 


مدت خيوطها على الأفق ..


لتبدو لها شجرة تعارك   الضياع ...


انبهرت  ..توقفت عن مد خيوطها المذهبة ..



لم تعد شجرة الإنسانية هي نفس الشجرة ..


 لم تعد يانعة مورقة ،  نظرة مخضوضرة ...



 جفت أوراقها ، ويبست أغصانها ..


 وتكسرت  تلك الأجنحة المترفة بالأزهار ..


 وحيل بينها وبين عنفوانها ... 



الأفق يصارع القتام ..


 والريح تقذفها بوابل الهباء ..


 والجرح  يضرب بفأسه مواطن الألم ..


 وهي منحنية صاغرة باكية 


على أوراقها المتساقطة 


متدثرة بثوب من دخان ... 



توقفت الشمس حين راعها مشهد شجرة الإنسانية  .



جمعت خيوط ضوئها . 



صعرت خدها . 



وأشاحت بوجهها ..


حتى توارت حياء في كسوف . 



الجمعة، 29 نوفمبر 2019

البحث عن إنسان




البحث عن إنسان

التساؤلات الوجودية الكبرى عن ماهية الإنسان ‘ تساؤلات قديمة قدم التاريخ حيرت كبار الفلاسفة ، واحتارت فيها العقول المتسائلة عبر العصور ، ومن أجلها قامت مدارس فلسفية متباينة للبحث عن ماهية الإنسان ، مامصدره ؟ ومن أين أتى ؟  ولماذا  أتى  ؟ وما دوره في الحياة ؟ وما مصيره ؟ أسئلة كبرى حارت فيها العقول .

يُروى في السنة النبوية المطهرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرا ما يقرأ سورة الإنسان في فجر يوم الجمعة
هذه السورة الكريمة اشتملت على إجابة لهذه الأسئلة المحيرة ، ولكنها أيضا  أكدت على مسائل هامة لدور الإنسان الأخلاقي والقيمي في هذه الحياة  ، منها حق الاختيار إما شاكرا وإما كفورا  ، والتأكيد على قيمة العقل الذي يقوم الاختيار على أساسه ،  وأشارت إلى مفهوم "  الأبرار  " قال بعض المفسرين :  الأبرار هم الذين لا يؤذون الناس ، و قال الحسن : الأبرار هم الذين لا يؤذون الذر .  وجاء بمعنى طاعة الله ،  وبمعنى الصدق ، وقال القرطبي أن  الأبرار الذين لا يؤذون أحدا ..

ومما أكدت عليه السورة الوفاء بالعقود والعهود وهذا استنبطه المفسرون من قوله تعالى  ( يوفون بالنذر )  فأضافوا إلى معناه الشرعي معنى الوفاء بالعهود ،  قال الكلبي  في مفاتيح الغيب : المراد بالنذر العهد والعقد .

 ومما أكدت عليه السورة في دور الإنسان  الأخلاقي والقيمي  قوله تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ...الآية ) قال بعض المفسرين المقصود هو ، الإحسان إلى المحتاجين والمواساة معهم بأي وجه كان  ، وإن لم يكن ذلك بالطعام بعينه ، واختير التعبير بالطعام لأن ذلك من قوام الأبدان ولا حياة إلا به .  ذكره الرازي وذهب إليه القرطبي في تفسيره .

هذا الدخن الذي تغشى  منظور البحث عن ماهية   الإنسان ودوره ، والإنسان  الأخلاقي والقيمي ،  وهذه الفجوة السحيقة بين الواقع والمثال  ، لها أسبابها المختلفة .  فالبحث المتجرد عن الحقيقة في القرآن الكريم وتفسيره وفي  وصحيح السنة الذي لا يخالف نصا قرآنيا - بعيدا عن الأهواء والتحزبات -  سيقود حتما  لوصف  حقيقة الإنسان و ( الإنسان الأخلاقي  ) على وجه الخصوص  . يقول تعالى  ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين )

الأحد، 24 نوفمبر 2019

ليـــاليــــے أديــس …





منذ أن دفعني أخي أحمد لزيارة هذه المدينة أديس أبابا دفعا ..اتخذتها مصيفا ومنتزها سنويا ..أديس أبابا ليست عاصمة فقط إنها حاضنة لكل الأمم والشعوب والأديان والألوان واللغات والأفكار ، في ود وسلم اجتماعي نادر . ، اختارها المطر وعانقها السحاب وغطاها الشتاء في وقت يتلظى الناس فيه جمرا . تعانق القادمين بترحاب وابتسامة آسرة .
في كل عام التقي بشخصية لها حضورها الفكري من مواطن شتى ، من مختلف الجنسيات ، في أمسيات أدبية وفكرية وفنية أحيانا ... أمسيات هذا العام كان متحدثها صديقا وجارا أديسيا ودودا ، واعتذر عن ذكر اسمه حفاظا على خصوصيته ، كان مختلفا ، فكرا وطيبة ،وكرما ، هو رجل له مكانته واسهامه في العديد من المؤسسات .
في إحدى الأمسيات ، تحدث إلينا حديث الصديق الصادق المحب عن رؤية المملكة وتعزيز دورها الريادي وأثنى كثيرا على الأمير محمد بن سلمان واعتبره أحد القادة المجددين ، كان حديثه شائقا ومقنعا ومفيدا . كانت شبه محاضرة لكنها من طراز أخوي بين أصدقاء ومحبين ، لم أجد في حديثه تكلفا ، كان يتحدث بصدق مبشرا بمستقبل واعد وزاهر لبلادنا .
الأمسيات في أديس أبابا كانت عفوية وزيارات ودية في مدينة هادئة ووادعة ، ولكن لايعني هذا أن المدينة خالية من المشكلات ، فهي بلد افريقي يصعد على سلم الازدهار ، ويختلف الناس في تقييم المدينة والنظر إليها ، فكل ينظر إليها من زاويته . لكن المتفق عليه أنها مدينة الحرية والمطر والسلام ، وزهرة الشرق الناشئة . الماطرة بالود ، الهاطلة بالحرية ، الباردة بالابتسامة والبساطة والعفوية ، هذه الأمسيات العميقة والثرية قليلة لكنها مؤثرة وجميلة وعميقة في الذكرة

نشر بصحيفة المجاردة في 28/7/2019

دردشة في التربية





تربية المجتمع على الأخلاق الفاضلة مسؤولية النظام التربوي تشترك معه جهات مختلفة لكن تبقى مسؤوليته الأولى ، وقلب الخلق الفاضل هو الضمير الحي ؛ لذلك فصناعة الضمير الحي لا تأتي من فراغ ، إنها نتاج عمل مؤسسي ممنهج وطويل ، تساعد في بنائه مجموعة من مؤسسات المجتمع ، بداية من الأسرة ثم المدرسة والمسجد ، ثم المجتمع بكافة فئاته ووسائل التأثير فيه . البذرة تزرع في الأسرة وهي النواة الأولى لزراعة القيم الفاضلة ، ثم يتولى النظام التربوي رعايته وسقايته وصياغة الأهداف الكبرى للأجيال كي تحفظ هذا الفضيلة القيمية وتورثها لمن بعدها .
لماذا تهتم الأمم بصناعة الضمير ؟ لأن الضمير الحي في أي مجتمع هو صمام الأمان ، فحين يسترخي هذا الضمير ، أو يغفو يصبح المجتمع لقمة سائغة بيد الأعداء ، عليك أن تتخيل أي مهنة يعمل صاحبها بدون ضمير ، حين يغفو الضمير تنهار المجتمعات وتأكل بعضها بعضا وتموت فيها الفضائل . . لهذا كانت الأمم تعنى عناية خاصة بصناعة الضمير الحي .
إن الأم الفاضلة والأب الجدير بالاحترام والأسرة النبيلة تقوم على رعاية بذرة الضمير الحي في أبنائها ، ثم تستلم المؤسسات التربوية زمام الأمور بما تشمل من التربويين ودورات تطوير الذات والمهتمين بالشأن التربوي ، جميل أن نهتم بالطموح لكن الحذر من تغول وحش الجشع وفرط الأنانية والحرص على الفردانية في أبنائنا ، بدعوى الطموح ، .
إن العناية بتربية الضمير الحي وقيمة العطاء والوفاء وجملة الأخلاق النبيلة مسؤولية النظام التربوي في المقام الأول ، ولذلك أقول لكل تربوي : خير مشروع تقدمه لوطنك ولأمتك ويأتيك أجره حتى بعد مماتك هو " صناعة إنسان بضمير حي "
بقلم : محمد عايض آل عمر _ جدة

السبت، 7 سبتمبر 2019

الحب الخالد




الحب أساس بناء العلاقات الإنسانية وعليه تأسس المجتمعات  ، و تقوم الأديان وتبنى  الأسر، وهي عماد المجتمع وأس بنائه وصلب قوامه ، ولكي يقوم هذا الزرع ويستوي على سوقه لابد أن يُسقى بغيث الحب والصبر والعطاء والوفاء ، ثم رضا الله من قبل ومن بعد .
بغير الحب تتصدع المجتمعات وتهدم الأسر وتجف أغصان الشجرة وتغدو أوراقها في مهب الريح ،وهكذا البيوت التي تبنى على غير الحب تبنى على جرف هار ٍ، إنها بيوت خالية من الأنس يتردد بين أصدائها عويل الهجر ، ويعلوها صراخ الظلام ، وغبرة البغض ، وقترة سوء الخلق ، ويشتد الحزن حين يتشرد الناس  في أودية الشتات .
الإسلام برئ من تلك الأفكار التي ترى أن الحب جريمة أو نقيصة أو عار يجب وأده - والحديث هنا عن الأسرة – وأن المرأة كائن لا كرامة له ، ولا يعتد برأيه ، ولا حقوق له ، مهما كانت مشروعيتها إرثا أو نكاحا إلى غيرها من الحقوق المسلوبة ، باعتبارها كائن ٌ غير مكرم كما يقال عند بعض الجهلة المتعصبين ( حرمة وأنت بكرامة ). فلا ينطق باسمها باعتبارها ، عار يخجل عند ذكره . فكيف لمثل هذا أن يعترف لمن من يراها مسلوبة الكرامة وحق الإكرام .. بعاطفة نبيلة قامت عليها كل الأديان ؟!
إن وراثة الأفكار كوراثة الأشياء إلا أنها أشد تأثيرا وأبلغ أثرا . هذه الأفكار الملوثة - بالتهميش والدونية والاحتقار وسوء المعاملة وسوء الخلق والتعاسر والصراع والتسلط الأهوج ، وشن الحرب على العواطف النبيلة المشروعة - ينبغي أن لا تكون مرجعا لبناء مجتمع سوي وأسر صالحة مترابطة مثمرة .
كان النبي ( صلى الله عليه وسلم )كثير الثناء على أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وكثير الإكرام لصديقاتها بالصدقة والمعروف ، وهو القدوة والمثال الأكرم في الحب والوفاء والصبر والعطاء ، فعلاقته بالسيدة خديجة رضي الله عنها نموذجا يحتذى في العلاقات الأسرية والحب الخالد ، وهو كذلك مع باقي زوجاته ( صلى الله عليه وسلم ) .
تروي كتب التاريخ قصصا ملهمة من روائع الحب الخالد العظيم : يروى أن نبوخذ نصر ( بختنصر ) أحد ملوك الكلدان وأحد أقوى ملوك بابل وبلاد ما بين النهرين ، كان له زوجة لم تأنس لحياة الصحراء في بابل فما كان منه إلا أن بنا لها حدائق بابل المعلقة والتي عدت فيما بعد من عجائب الدنيا ، كل ذلك من أجل ( سمير أميس ) زوجته والتي حظيت بمكانة عالية لديه لرشدها وطوعها وإخلاصها .
الحب يثمر الحب ، والتقدير يثمر التقدير ، والثقة تثمر الثقة في النفوس السوية ، فالحياة الأسرية حياة محبة ورحمة وود ، وشراكة رحلة في سفر الحياة الطويل ، عمادها الفهم وأصولها الحب وجذورها المودة وثمارها الرحمة والوفاء والإكرام .
كانت زبيدة بنت جعفر بن المنصور من أهم نساء الدولة العباسية وأكثرهن شهرة وحظوة ومكانة في دولة بني العباس . زوجها الخليفة العباسي "هارون الرشيد " كان يكن لها ما يفوق الوصف تقديرا وإجلالا ، فحين أشارت عليه بإنفاذ مشروع سقيا الحجيج وهو المشروع الذي يعنى بتوفير الماء على خط سير الحجيج من بغداد إلى مكة مجانا - وهو المشروع الذي عُد ضربا من الخيال في زمنه - أمر بإنفاذه برغم تكاليفه الضخمة ، وسمي بعين زبيدة إكراما لهذه السيدة الجليلة . (ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم ) .
ومما ترويه كتب التاريخ أيضا أن الملك المسلم شاه جهان ( شهاب الدين ) تزوج المرأة الصالحة ( ممتاز محل ) التي منحته الحب الصادق ، والعناية الجليلة ، وسمو الرعاية ، فوق ما تمتعت به من حكمة وروية وحسن تدبير .
رافقته في كل أسفاره ورحلاته الرسمية والعسكرية ، لم تكن ذات شخصية مستكبرة أو عالية مباهية ، بل وُصفت بأنها حانية القلب عطوفة الفؤاد شفيفة الروح ، لينة طيعة ، محبة للخير ، باذلة للفقراء ودودة للمساكين ، أغدقت الحب وبذلت بسماحة وصفاء ، فأشرقت على من حولها بهاء ً ونورا فأجلها الملك وأحبها حبا عظيما ، وشاء الله أن تتوفى هذه الزوجة الصالحة فقرر الملك أن يرد الوفاء بالوفاء ، والحب بالحب ، فبنا قصر التاج ( تاج محل ) تخليدا ووفاءً وتعبيرا عن حبه الخالد ، ومازال تاج محل شامخا وشاهدا على مدار التاريخ على ذلك الحب الأسطوري .
إن حب الرجل لأهله قيمة إنسانية راقية ، ومسلك أخلاقي قويم ، حث عليه الأنبياء وهو فضيلة عظمى لا يتخلق ولايتحلى بها إلا النبلاء والعظماء من كرام الرجال ، ، وهؤلاء هم من خلدوا القيم العظمى ، وبنوا الشواهد الأسطورية ، ورسموا الصورة المثلى للحياة الأسرية القائمة على مثال الحب الخالد .
محمد عايض آل عمر

نشر في صحيفة المجاردة
2/7/2017

الأحد، 2 يونيو 2019

ذو حظ عظيم







مع تفشي القطيعة وانتشار التدابر والتباغض ، لعوامل مختلفة وتحول الحياة إلى صراعات متنوعة ، ولأن هذا السلوك قد تجده من ذي رحم أو قريب أو صديق أو جار ، ولا تخلو الحياة من صراع في المجتمع الأسري أو المحيط الاجتماعي ؛ لهذا عالج القرآن هذه القضية حفاظا على النسيج الأسري والبناء الاجتماعي .
نهى الإسلام عن قطيعة الرحم مهما كانت حدة الخلاف ، واعتبرها من الإفساد في الأرض ، وعد القاطعين لأرحامهم مفسدين " بنص الآية " وتوعدهم الله باللعنة وسوء الدار ،. قال تعالى ( وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ ٱلدَّارِ ) هذا الوعيد وهذا الجزاء بسوء الخاتمة ليس سهلا على الإطلاق .
لقد أصل القرآن علاجا لهذه الحالات يتمثل في القاعدة التربوية القرآنية ، في تعامل المسلم مع الآخرين في محيطه الاجتماعي ، في قوله تعالى ( وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ )
ادفع بالتي هي أحسن أي بالصبر والحلم والعفو ، وأن لاترد على الإساءة بمثلها ، وان تفعل الخير ما ستطعت وترد بالتي هي أحسن ، وهذا من فيض العفو والصفح وقوة التحمل والصبر . فإن الصبر على سوء الخلق والفعل القبيح ، وعدم مجاراته بالسفه والإيذاء هو من الدفع بالتي هي أحسن .
إن هذا السمو الأخلاقي وهذه الصفات الكريمة والعظيمة ،المتمثلة بالصبر على المكاره ومشاق الأذى ، وسوء الخلق هي من طبيعة الكرماء العظماء ، قال الزجاج وما يلقاها أي " فضيلة الصبر " - على تحمل المكاره وتجرع الشدائد ، وكظم الغيظ - إلا ذو حظ عظيم من قوة النفس ، وصفاء الجوهر وطهارة الذات ، ومايلقاها إلا ذو حظ عظيم من الأخلاق الفاضلة التي يكون جزائها الجنة .
إن القدرة على الصفح ودفع الأذى ليس بالحسنى فحسب بل بالتي هي أحسن هذه القدرة هي أعظم ما يوهب للإنسان من فضيلة ، لأن هذا يهدئ سخائم النفوس ، وزخم التباغض والتدابر . في الحديث الشريف (" أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَكْرَمِ أَخْلاقِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ؟ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ , وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ , وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ ) إن مثل هذه الأخلاق الفاضلة هي الحظ العظيم الذي يستحق به الإنسان التكريم في الدنيا و الآخرة .
هذه القاعدة التربوية القرآنية تقوي روابط المجتمع وبنائه الاجتماعي وتبني العلاقات الأسرية ، وتعين على صلة الرحم ، وتردم هاوية الجفاء ، وتصل ما أمر الله به أن يوصل ، وتبني شجرة الحب ، والتآلف والتسامح ، لهذا وصف الله المحظوظ بهذه الصفة بأنه ذو حظ عظيم .

نشر بصحيفة المجاردة 29/9/1440
2/6/2019
http://almajardh.com/articles/215383.html

الحاجة للتفهم

  للضغوط النفسية العصبية   الشديدةأثر  بالغ في تهديد صحة الإنسان الجسدية والنفسية  بما فيها ضغط العلاقات الأسرية وضغوط علاقات العمل  المتوتر...