الجمعة، 13 مارس 2020

المواجهة المستعرة ..




 
منذ بداية أزمة وباء كورونا وانتشاره حول العالم اختلفت  الدول في تقييم مستوى مخاطر هذه الأزمة وبالتالي كان  تعاطيها لملف  الأزمة مختلفا وتأرجح بعض منها بين القبول بها كواقع يجب التعامل معه وبين الرفض  لها وتباينت التحليلات السياسية والطبية  والدينية وكل أدلى بدلوه . ارتبك العالم حين شعر بالخطر  وبدأ يأخذ تصريحات منظمة الصحة العالمية على محمل الجد حين وصفت هذا الوباء بالجائحة العالمية وقد يصل لمستوى الكارثة  لكن بعد أن وقع الفأس في الرأس في بعض الدول ، وهاجم الوباء تلك الدول دون هوادة  وحصد منها الآلاف .وبحسب منظمة الصحة العالمية: فإن أوروبا هي "البؤرة الجديدة" لوباء كوفيد-19 العالمي. ( كورونا )

منذ أكثر من مائة عام لم يجتاح العالم وباء بهذه السرعة وهذه الكثافة والانتشار .  اليوم وصل الخطر إلى أكثر من 125 بلدا حول العالم  وربما قد يتجاوز هذا الرقم ومازال الوباء  يطوف بالبلدان ويحصد الضحايا ، والمصابين  ويخلف خسائر بمئات المليارات  ولم يقف عند هذا الحد بل أسهم في  غلق منافذ الدول ومازال يوقف حركة السفر ، والتنقل والتجمع حول العالم وعزل مدنا ودولا ، وهو أمر أشبه ما يكون بحرب عالمية .

المملكة العربية السعودية من البلدان القليلة التي استشرفت خطورة الأمر  وبادرت بإجراءات استباقية  احترازية  جريئة من وقت مبكر ، وكان لقراراتها الشجاعة  أثر بالغ  في صد  انتشار الوباء وتخفيض نسبة الإصابة إلى الحد الأدنى .

هذه الكارثة  لها جوانب متعددة منها  الجانب السياسي وقد تفضلت القيادة السياسية مشكورة بكل ما يلزم لمواجهة هذا الوباء العالمي فأمرت باتخاذ كافة التدابير اللازمة وسخرت كل الإمكانات المادية والبشرية ،  ولها أيضا جانب إداري على مستوى الوزارات  وكان الأداء والتنسيق  من مركز الطوارئ والأزمات  أكثر من رائع  وتعاملت  وزارة الصحة مع ملف الأزمة بكل مهارة وكفاءة وفاعلية ، و يواجه  أبطالها في الميدان هذه العدو الشرس ،  حماية للناس و دفعا لتداعيات تطوره . مستلهمين واجبهم الديني والوطني والأخلاقي .

أما واجبنا  كمواطنين ومقيمين  فيتمثل في التعاون مع توجيهات قيادة البلاد في الالتزام التام بالتعليمات والتوجيهات الصادرة من جهات الاختصاص ، وأخذ المعلومة من مصادرها والبعد عن ترويج الشائعات ، والتحلي بالصبر و التضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع البلاء ويجلو الغمة  ، واخذ جانب الحذر فلايزال العمل قائم على قدم وساق ولازالت الحرب مستعرة والمواجهة على أشدها مع هذا الوباء في الداخل وعلى مستوى العالم  .



السبت، 7 مارس 2020

التسامي عن الصغائر



كثير من المواقف ومشكلات العلاقات الاجتماعية التي نمر بها ، تتضخم لأننا نضخمها بإرادتنا ونعطيها أكثر من حجمها الطبيعي مع أنها في أكثر الأحيان أمور في غاية البساطة ولو  ( هوناها لهانت )  ، مواقف قد تصدر منا أو من آخرين بعفوية تامة لكنها قد تأكل وتشرب وتنام مع متلقيها وفي مخيلته تعمد الإساءة أو التعامل بدونية ، وقلة احترام . مع أن الأمر قد يكون بعيدا عن هذا كله .

منطق تضخيم الصغائر يفترض في  الناس أنهم  لا يخطئون ولا يجب أن يخطئوا أبدا ، وهذا بالتأكيد ضد طبيعة البشر ، فالتماس الكمال على طول الخط مقلق للسكينة ومهدد للطمأنينة ، ويجعلنا نركز  العدسة على أخطاء الآخرين ونكبر صور هذه الأخطاء باستمرار ونجعل اخطاءنا في الظل ، هذا التركيز يصنع علاقات متوترة يظللها سحب من الشك وسوء الظن والاتهام عند كل تصرف لا يروق لنا .

كثير من مواقف الخلاف بين الزوجين وخلاف  الأصدقاء وزملاء المهنة والعمل وحتى الخلافات  الأسرية تبدأ ببذرة  خلاف صغيرة ثم ما تلبث أن تكبر حتى  نسقيها بنزاعاتنا ونرويها بسوء الظن فتغدو شجرة ضخمة من الصعب اجتثاثها . إن تطويق نبتة الخلاف منذ نشأتها واستئصالها من بواكير ظهورها بالتسامي والتغاضي وغض الطرف وحسن الظن يبقي زهور الود عطرة  ،  ويسقي حديقة التواصل والتواد والتعاطف والتراحم .

اصبحنا نسمع قادة تربويون ومربون فضلاء يتشابكون بالأيدي أليس هذا غريبا ..! وأزواج لم يمض على زواجهم سويعات معدودة  حتى ختمت حياتهم  بالطلاق  ، وشقاق أسري وإخوة وأصدقاء يتنكرون لبعضهم من أجل جملة عابرة ، أو موقف غاضب  عابر ، وهي خلافات في مجملها بدأت بنقاط صغيرة كان يمكن احتوائها والصبر عليها قبل أن تتحول إلى شجرة مشكلات معقدة عصية على الحل .

و نسمع ونرى خصاما على أشياء في غاية التفاهة إما على موقف سيارة أو عدم رد على مكالمة جوال أو رسالة واتس اب  أو تعليق في قروب أو مشاركة أو عدم مشاركة إلى مالا نهاية ..من تلك الصغائر التي تصنع الضغائن ويمكن العبور فوقها وتجاوزها دون نسج الخيالات والظنون والشكوك والأوهام الفارغة حولها .

الحل أن نكبر ادمغتنا ونسمو عن هذه الصغائر والترهات والمحاسبة على الحبة ، فالتنازل وغض الطرف والتماس الأعذار من شيم الكرام وكما قال المتنبي : وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها  *  وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

لست مع الرأي القائل " لا تهتم لصغائر الأمور فكل الأمور صغائر " بل هناك مشكلات صعبة ومعقدة ولكن أقول : التسامي عن الصغائر في العلاقات هو  سلوك العقلاء ؛ لذا لا تهتم لصغائر الأمور فأكثر مشكلات العلاقات صغائر  يمكن الصبر عليها وتلافيها .

الاثنين، 2 مارس 2020

درس من كورونا


الحديث عن كورونا والخدمات الصحية العامة مثار حديث المجتمع العالمي ، ولاشك أن مقياس تطور كل مجتمع لابد أن  يشمل مدى تطور خدماته الصحية وسلامة مواطنيه وقدرة النظام الصحي المحلي على مواجهة الكوارث الصحية والأوبئة واسهامه في البناء الصحي العالمي

. في بلادنا نظام صحي جيد ، إلا أنه بحاجة إلى مزيد من الدعم المتواصل خاصة في المحافظات والقرى البعيدة عن المركز  . حيث يسافر أكثر الناس إلى المدن الرئيسية بحثا عن العلاج و هذا  يسبب ضغطا هائلا على المشافي العامة في المدن الكبرى ، ويزيد فترة الانتظار بشكل طويل وممل ومؤلم أحيانا على إنسان مريض يصارع الألم ، مما يضطره إلى التحول إلى المشافي الخاصة وهي مشافي تكلف الأموال الطائلة  والتي تُعجز في أحيان كثيرة ذوي الدخل المحدود ومتوسطي الدخل . ولك أن تتصور أن بعض الأطباء رفع أجرة الكشف فقط إلى 1000 الف ريال لمجرد النظر في شكوى المريض ناهيك عن الاشعة والتحاليل  الخ ..من تلك المنظومة الطويلة  .

هذه المشافي الخاصة تتسابق في تحقيق الأرباح على حساب المرضى والمضطرين للعلاج ولهذا لا نستغرب أن  يحقق أصحاب هذه المشافي الخاصة المليارات .  هناك شريحة من الناس يتقون غلوائهم  بالتأمين ولكن هناك شريحة أخرى واسعة يقعون فريسة لهذا التسابق المحموم للثراء دون نظر لأي جوانب أخرى، 
 هذا التسابق  في الأوضاع العادية ، فما بالك بحالات الكوارث وعواصف الأوبئة التي تجتاح العالم من حين إلى آخر ، كفانا الله وإياكم شرها . 

لوزارة الصحة  جهود مشكورة خاصة في الإجراءات الاحترازية التي تتخذها لصد عدوى هذا الوباء  الذي يجتاح العالم اليوم  و هناك درسا مستفادا  من هذه الجائحة ، يرسل لنا تساؤلا  عن مدى قدرة المشافي العامة في المحافظات  والقرى النائية  على المواجهة . 

هناك حاجة كبيرة لدعم المحافظات بمشاف متطورة، وكليات طب ومراكز أبحاث  للأمراض والأوبئة المستوطنة والمهاجرة تكون على مستوى عال  ،  في كل نواحي المملكة كي تغني عن السفر   وتتكامل مع بقية المنظومة الصحية  في خدمة بلادنا  وتسهم أيضا في البحث العلمي لخدمة الإنسانية  ،  في مثل هذه الحالات الوبائية . لدينا نظام صحي جيد ولكننا نرنو دائما إلى  الأمل الأفضل والأكمل لمواجهة الاحتياج المتزايد للخدمات الصحية و عواصف الأوبئة وأخطارها  فنقذ أنفسنا ونسهم في انقاذ البشرية  .

السبت، 22 فبراير 2020

الهوس ..ألم الاعجاب





يعد  الهوس أحد أعراض اضطرابات الشخصية ، وهو حالة من المبالغة الشديدة في التعبير أو التعلق بالأشياء والنظر إليها ،وتختلف  شدته بين الخفيف والمتوسط والشديد ،  و يرتبط الهوس  بحالات اكتئاب واضطرابات  أخرى ، وقد يكون معزولا عنها ،  وفي الحالتين يدل على  اضطراب وخلل في سمات شخصية  المصاب  الذي لا يعي بحالته المرضية ففي الوقت الذي يرى نفسه يتصرف بطريقة عادية وطبيعية   يراه الآخرون يتصرف بطريقة غير طبيعية   . وبالمثال يتضح المقال  : 

1- هوس الشهرة : يميل الإنسان بطبعه للثناء والذكر الحسن وهذا أمر طبيعي و محمود في مجمله ، لكن الأمر حين يكون ولعا شديد مبالغا فيه إلى درجة أن بعض هؤلاء  المولعين بالشهرة في المجتمعات العربية والإسلامية  يخرج عن أطر الأخلاق والآداب العامة ويتعدى على المقدسات وعلى أعراف المجتمع الفاضلة - من أجل الشهرة وحب الظهور ولفت الانتباه بأي طريق وبأي شكل كان دون مراعاة لتلك الأطر العامة .هنا يتحول إلى حالة مرضية .

هذا الهوس قد تعود أسبابه إلى عوامل مختلفة من بينها حاجة ماسة  لتقدير الذات وطلب المكانة ، استجداء الثناء والاعجاب ، طلب زيادة المتابعين للحصول على المال بأي طريق وبأي ثمن . يرتبط  هوس الشهرة بالعديد من الاضطرابات كالاكتئاب ، فرط الحركة وتشتت الانتباه ، جنون العظمة ، والوساوس القهرية ، والاضطراب ثنائي القطب وذلك للضغوط النفسية التي التي يتعرض لها المصابون بهذا الهوس طوال الوقت ، والتي تستدعي الظهور الدائم للجمهور بمظهر  ، يخالف حقيقة واقعهم وما هم عليه في حقيقة الأمر ، ناهيك عن بعض المخالفات القانونية والنظامية  التي يقترفونها  نتيجة تلك الضغوط تلبية لتلك الرغبة الملحة والجامحة في الظهور .

2- الهوس بالمشاهير ..وهو تعلق مرضي يعده الاخصائيون من ضمن الطيف الوسواسي  الذي يصور المشهور بأنه إنسان خارق للعادة ؛  ولهذا فهو دائم الحديث عنه ومستمر في متابعتة ومعرفة أخباره وتفاصيل حياته الشخصية  ، وينتظر اللحظة التي يراه فيها على أرض الواقع بفارغ الصبر . 
يفسر  بعض الباحثين سبب متلازمة الهوس بالمشاهير  بأنها هروبا من واقع إلى صورة مثال متخيل للنجاح ، وهو نوع من التخيلات والأوهام الو سواسية ؛   ولهذا لا تستغرب حالة البكاء والهيجان عند رؤية المشهور من أولئك المصابين بالهوس . وفي بعض الحالات قد يعرض المصاب  نفسه  أو من يعجب به للخطر فقد يحاول المصاب  الانتحار عندما يتجاهله من تعلق به ،  أو قد يحاول إيذاء المشهور حين يتجاهله  ، ولهذا قد تجد تفسيرا لحالات التعدي والتجاوز على المشاهير في المسارح ومنصات الاحتفال من مصابين بهذا الاضطراب ، وقد سمي  هذا الاضطراب " باسم متلازمة عبادة المشاهير . 

الأسباب والأعراض : تختلف  أسباب الهوس   بين   وراثية جينية ،  و مكتسبة  ، وتختلف الأعراض  من شعور عارض بالسعادة ، وقلة ساعات النوم وانفعال شديد وسرعة في الغضب ، مع سلوك اندفاعي وفرط في الحركة والطاقة مع تشتت التركيز وأوهام بالعظمة ، أيضا يتسم مصاب الهوس بأفكار متسارعة وتصورات خاطئة مع ثرثرة وكلام متناثر وسريع  مع حب الاستمرار في الحديث دون انقطاع ، وافراط في تفسير الوقائع واشارات باليدين غير منتظمة .. يصل في تنوعه إلى أكثر من 50 نوعا من أنواع الهوس  ..ويخرج الإنسان من تصرفاته المعتادة  . وهو حالة مرضية تستدعي العلاج  .

الأحد، 16 فبراير 2020

الوباء النفسي الخفي

في عام 2018 قررت الحكومة البريطانية تعيين الوزيرة " Tracey Crouch" تريسي كراوتش لمكافحة آثار الوحدة والعزلة الاجتماعية ،كان ذلك بناء على مبادرة من لجنة كوكس وهي الجهات المستقلة التي تكونت بمشاركة عدد من نواب البرلمان البريطاني و 13 من الجمعيات الأهلية والخيرية المهتمة بمكافحة خطر الوحدة والعزلة الاجتماعية . فهل يعد هذا الأمر وباء وخطرا قاتلا يستدعي كل هذا الاهتمام ؟
فبحسب باحثين تعد الوحدة والعزلة الاجتماعية أشد خطرا من التدخين والسمنة وتتسبب في أمراض القلب والسكتة الدماغية وارتفاع ضغط الدم والاكتئاب وضعف المناعة والأمراض السرطانية وتزيد نسبة الوفاة ب30% ، وهذا ما أشار إليه د.عبدالهادي مصباح أستاذ المناعة وزميل الأكاديمية الأمريكية للمناعة .
في مجلة PSPBوهي مجلة معنية بالشخصية وعلم النفس الاجتماعي نشرت دراسة أجريت على أكثر من 200شخص تتراوح أعمارهم بين 50-68سنة وخلصت إلى أن الذين يعانون الوحدة أصبحوا أكثر أنانية من غيرهم إضافة إلى ازدياد القلق والضغط النفسي مما ينعكس على صحة القلب والجهاز العصبي والدماغ . وتم نشرها في وسائل إعلام متعددة .
وفي ملخص لنتائج 148 دراسة امتدت 7 سنوات شملت مواطنون من أمريكا وأوروبا وآسيا نقلت أ. عبير فؤاد في مقال على موقع للعلم تحت عنوان ( ( الوحدة والعزلة الاجتماعية.. القاتلون الجدد )) عن د. جوليان هولت لونستاد -أستاذ علم النفس والأعصاب، بجامعة بريجهام يونج بالولايات المتحدة الأمريكية-" قوله : إن الأشخاص الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية يكون لديهم احتمالية أكبر للبقاء بنسبة 50 % مقارنة بنظرائهم
وفي تجربة حول خطر الوحدة والعزلة ذكر موقع DW الألماني قيام علماء بإجراء تجربة على شخصين لقياس نسبة التوتر لديهما عن طريق اللعاب لمعرفة نسبة هرمونات الاجهاد لدى كل منهما ، والنتيجة أن الشخص الذي ينعم بعلاقات اجتماعية حميمة ارتفعت لديه نسبة الكورتيزول باعتدال ، بينما الشخص الذي يعاني الوحدة كانت نسبة الكورتيزول لديه مرتفعة ليحصل الجسم على امدادات لمواجهة أعراض صحية محتملة ، فيقل النوم وترتفع نسبة السكر والضغط كما تتدنى كفاءة جهاز المناعة لذلك السبب .
يفرق الباحثون بين الوحدة والعزلة الاجتماعية في أن العزلة الاجتماعية هي البعد المادي عن الآخرين وانقطاع وسائل التواصل بينما يعرفون الوحدة بأنه شعور بعدم من يتفهمك ويشاركك الاهتمامات ، وفيها لا يحصل على إشباع نفسي مرضي للتواصل الودي مع الآخرين حتى لوكان في جمع من الناس . ويعدونها في حال استمرارها لفترات طويلة حالة مرضية قاسية .
الإنسان كائن اجتماعي وخلق ليعيش في جماعات ولم يخلق ليعيش منفردا ؛ ولذلك تجده يتمثل كل وسائل الاجتماع ويحرص على تكوينها خاصة تلك التي تعبر عن حياة الناس وتعبر عن الحاجة للانتماء .
وبالرغم من التطور المذهل في وسائل التواصل الاجتماعي إلا إن اتساع فجوة الوحدة والانعزال آخذة في الازدياد، عزز هذا السلوك تجاه الوحدة والعزلة الاجتماعية تضخم المدن، وأوقات العمل الممتدة و الطويلة، والتعويض بالعالم الافتراضي -الذي قلل من أهمية التواصل الإنساني المباشر -، أيضا الصدمات النفسية والإحباط الاجتماعي وسيطرة الديون التي تؤدي لقلة ذات اليد في ظل كلفة عالية للقاءات الأسرية والاجتماعية في بعض المجتمعات. كل هذه الأسباب وغيرها ..أدت إلى...تفاقم خطر الوحدة والعزلة الاجتماعية وبات وباء يهدد المجتمعات العربية ، في ظل مسار عالمي يتجه نحو حياة العزلة والوحدة وتفكيك الإنسان . دون إدراك كاف لخطر هذا القاتل الخفي للصحة الجسمية والنفسية للفرد والمجتمع .

السبت، 28 ديسمبر 2019

موقف ..سيادة الرئيس ..



في عام 1980م وأثناء احتدام الحرب الأهلية في تشاد، غادرت كثير من العائلات بلادها إلى البلدان المجاورة ، ومن ضمن الذين استأجروا بجيرانهم عائلة دخلت السودان وهي لا تملك من حطام الدنيا شيئا ، وفي الوقت ذاته كانت السودان أيضا تعيش أزمة اقتصادية وتمر بسنين عجاف ، لكن أسرة سودانية أجارت أسرة تشادية مستجيرة من تلك الحروب الدامية وتكفلت لها بالمسكن والمعاش مع مكابدتها شظف العيش ، وقلة ذات اليد ، انتهت الحرب وعادت العائلة التشادية إلى بلادها ، كان موسى ابن هذه العائلة يتدرج في المناصب حتى بلغ منصب وزير الخارجية ، ثم رئيسا للوزراء ثم عين رئيسا لمفوضية الاتحاد الافريقي .
موسى فكي محمد رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي ابن العائلة التشادية التي لجئت اضطرارا للسودان . هذا الرئيس يتحدث في احتفال السودان بتوقيع وثائق الفترة الانتقالية أمام الرؤساء والوفود المشاركة من كل أنحاء العالم بهذه القصة وملخص ما قاله : أن في عنقي جميل وحب للسودان وأهله ، وفاءً لتلك الأسرة التي استضافتني وأنا في أشد الحاجة ، هذا الموقف جعلني أقف مع السودان في كل المحافل الدولية .
ومما يروى أيضا أن " ديفيد لويد جورج " الذي ولد في مانشستر 1869م وما لبث أن توفي والده بعد مضي عام على ولادته ، كانت والدته امرأة معدمة فأخذته إلى أحد ضواحي لندن الفقيرة ، واستأجرت غرفة واحدة بجانب عمه لمساعدتهم ،و ذات ليلة مطيرة وشتاء قارص ، مرض طفلها الرضيع وتدهورت حالته وأشرف على الهلاك .
خرجت الأم في ظلام دامس وشتاء مطير وضباب كثيف يلف الأجواء ، تبحث عن طبيب ينقذ ذلك الرضيع ، بالكاد وجدت من يدلها على منزل طبيب في ذلك الوقت المتأخر ، طرقت الباب على الطبيب فخرج ليجد أما مكلومة تستنجد به وتتوسل إليه أن يرى طفلها الموشك على الهلاك ، أمام إصرار دموعها ومنظر البؤس في عينيها خرج مكرها في تلك الأجواء الصعبة .
وجال في دروب البؤساء حتى عثر على الطفل في تلك الغرفة المتهالكة ، وبينما يجري الكشف عليه أخذت تجمع شيئا من بقايا نقود فتمد بها إليه مطرقة في حياء ، وبعد أن كتب لها الدواء رفض أخذ تلك النقود ومد يده بشيء من العطاء ثمنا للدواء . وشاء الله سبحانه أن يكون لهذا الطفل شأن عظيم ، عمل في المحاماة ثم ترأس حزب الأحرار ثم رئيسا لمجلس التجارة ثم وزيرا للمالية كانت سياسته تعتمد حماية الفقراء ونصر الضعفاء والمعوزين ، وما لبث أن أصبح رئيسا للوزراء في 1916م
في إحدى احتفالات نقابة الأطباء التي كان يرأسها ذلك الطبيب الإنسان دعت النقابة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج وحين ألقى رئيس الوزراء كلمته أمام الجموع الغفيرة، ذكر هذه القصة وقام إلى ذلك الطبيب وقبل يده أمام الحضور ، وقال له : لقد كانت أمي قبل وفاتها تحثني دائما على مكافئتك وأن أرد لك الجميل .
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس

نشر في صحيفة الوطن نيوز في 28/12/2019


http://www.watannews-sa.com/articles/14521/#.XgeePwIjlYl.twitter

الأربعاء، 25 ديسمبر 2019

كسوف ..قصة بعيدة







التفتت الشمس كعادتها كل صباح


إلى هذا العالم

 

المستغرق في أمواج  الألم ...



 في هذه المرة نظرت في خرائط الألم 



وهي تبحث عن شجرة تسمى شجرة الإنسانية .... 



عادت  لمستقرها،وفي السحر


تسابقت مع الظلام 


 تجري لتهدي ضياءها  


 ذات الشجرة التي سمعت  عنها ...



   تود أن تراها .. 


مدت خيوطها على الأفق ..


لتبدو لها شجرة تعارك   الضياع ...


انبهرت  ..توقفت عن مد خيوطها المذهبة ..



لم تعد شجرة الإنسانية هي نفس الشجرة ..


 لم تعد يانعة مورقة ،  نظرة مخضوضرة ...



 جفت أوراقها ، ويبست أغصانها ..


 وتكسرت  تلك الأجنحة المترفة بالأزهار ..


 وحيل بينها وبين عنفوانها ... 



الأفق يصارع القتام ..


 والريح تقذفها بوابل الهباء ..


 والجرح  يضرب بفأسه مواطن الألم ..


 وهي منحنية صاغرة باكية 


على أوراقها المتساقطة 


متدثرة بثوب من دخان ... 



توقفت الشمس حين راعها مشهد شجرة الإنسانية  .



جمعت خيوط ضوئها . 



صعرت خدها . 



وأشاحت بوجهها ..


حتى توارت حياء في كسوف . 



الحاجة للتفهم

  للضغوط النفسية العصبية   الشديدةأثر  بالغ في تهديد صحة الإنسان الجسدية والنفسية  بما فيها ضغط العلاقات الأسرية وضغوط علاقات العمل  المتوتر...